محمد جواد مغنية
166
في ظلال نهج البلاغة
والحوار مطلوب ، بل ضرورة ، ولكن كعلاج ووسيلة لحل المشكلات ، وبخاصة الخطير منها ، والحوار الذي دار بين الإمام ومعاوية بعيد عن هذه الغاية ، لأن معاوية كان يساوم ويراوغ ويحرّف بقصد البقاء في الحكم والسيطرة ، والإمام يعرف ذلك منه ، وما أجابه إلا ليلقي عليه الحجة ، ويفضح شعاراته الكاذبة ، ومقاصده الغادرة ، وينير السبيل لطالب الحق والهداية ، وفي الوقت نفسه يحدد مهمة الحاكم ومسئوليته عن الرعية . . ومن هنا كانت تلك الرسالة بالغة الأهمية ، وأتمنى لو جمعت في كتاب واحد ، وشرحت بعلم وإنصاف بلا شوائب ونزعات . ( فقد آن لك ان تنتفع باللمح الباصر ) . لما ذا تجحد الحق وتعانده ، وأنت تحسه وتراه كوضح النهار والى متى الخداع والرياء ويحدثنا التاريخ أن معاوية كان يعلم أن الخلافة حق للإمام ، ولكنه يكابر ويساوم . فقد جاء في كتاب « الإمامة والسياسة » ص 95 طبعة 1957 أن معاوية كتب إلى الإمام أن يبايعه ، شريطة أن تكون الشام ومصر جباية له . وفي ص 101 أن معاوية كتب إلى الإمام يقول : « لو بايعك القوم الذين بايعوك ، وأنت بريء من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر » . وكل الناس يعلمون ان عليا بريء من دم عثمان حتى معاوية يعلم ذلك ، ولكنه يتجنى ، كما قال له الإمام في الرسالة 6 التي ختمها بقوله : « فتجن ما بدا لك » . ( فقد سلكت مدارج أسلافك إلخ ) . . انك تماري وتخادع ، وتحارب الحق وتناصر الباطل . . ولا بدع فهذه سنة آبائك وأجدادك ( وبانتحالك ما قد علا عنك ) تطمح إلى ما هو أعلى منك وأرفع . وأبلغ من هذا قول الإمام لمعاوية في الرسالة 27 : ألا تربع أيها الانسان على ظلعك ، وتعرف قصور ذرعك ، وتتأخر حيث أخرك القدر ( وابتزازك لما اختزن دونك إلخ ) . . يشير الإمام بهذا إلى جرأة معاوية وإقدامه على أخذ البيعة بالخلافة لنفسه من أهل الشام ، وهو يعلم علم اليقين انها حق للإمام لأن الصحابة وجمهور المسلمين بايعوا عليا طائعين لا مكرهين . . وأيضا يعلم معاوية ان أخذ البيعة لنفسه من أهل الشام هي السبيل لتفرق المسلمين وشتاتهم وسفك دمائهم . . ولا بأس في أكثر من ذلك عند معاوية ما دامت الغاية تبرر الواسطة . ( وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ) قال الشيخ محمد عبده : « الذي هو ألزم لمعاوية من لحمه ودمه البيعة لأمير المؤمنين » . وقال ابن أبي الحديد :